عبد الملك الجويني

176

الشامل في أصول الدين

وهذا الذي ذكروه مردود من وجهين : أحدهما : أنا نعلم ببديهة العقل استحالة ثبوت المماسة من أحد الطرفين . ونعلم اضطرارا أن ما ماسّ شيئا فقد ماسّه ذلك الشيء ، وليس كذلك المريدان المتصفان بالإرادتين ، فإنه ليس من ضرورة إرادة أحدهما الشيء أن يريد الثاني ذلك الشيء . فقد وضح الفصل بين المسألتين قبل أن نخوض في تحقيق النظر . وإنما ذلك لمعنى وهو أن الشيء المتعلق بغيره إنما يرتبط بمتعلقه . وإذا أراد أحد المريدين مرادا ، فإنما متعلق إرادته مراده لا المريد الثاني ، والتماس يتعلق بالمتماسين . ثم نقول : لم تلزمونا أمرا معنويا وإنما تشبثتم بنعت . وذلك أن أهل التحقيق قالوا : إذا نماس الجوهران : فقد قام بكل واحد منهما كون يخصصه بحيزه وليس لواحد منهما حكم من كون الثاني ، فلو عدم أحد الجوهرين واستقر الثاني في حيزه ، وتتابعت عليه الأكوان حالا على حال ، فالكون الذي طرأ عليه بعد عدم المماسة ، مثل الكون الذي قام به عند التماس ؛ فقد قام به عند الانفراد ، ما قام به عند الاجتماع ، بيد أنه لا يسمى مماسة . فوضح بذلك رجوع ما ألزموه إلى التسميات . وفي الفصل بقايا نتشاجر فيها مع المعتزلة ، سنذكرها عند ذكرنا مطاعننا عليهم ومطاعنهم . فهذا أحد الأصول . والأصل الثاني : أن يعلموا أن ما نبغيه من التمانع ، إنما يستقيم عند فرض الكلام في المحل الواحد ، إذا غرضنا تصوير منع أحدهما الثاني مع اتحاد المحل ، فإنه إذا بطل في المحل الواحد نفوذ المرادين للتضاد المعلوم بطلانه ضرورة ، واستحال انتفاء المرادين للعلم باستحالة خلو المحل عن الضدين ، لم يبق بعد ذلك إلا منع أحدهما الثاني . ولو فرضنا الكلام في محلين ، لنفذ المرادان من غير استحالة ، ولم يؤد ذلك إلى تمانع أصلا . فإن قال قائل : هذا الذي قلتموه صحيح ، غير أنه باطل على موجب أصلكم ، وذلك أنكم قلتم : لا تتعلق قدرة القادر المحدث إلا بفعل في محل قدرته ، ونفيتم التولد . ونحن نعلم أن القادرين المحدثين قد يمانعان ، وقد يمنع أحدهما الثاني ، بأن يقف في جهة مخصوصة ، فيكون وقوفه فيها منعا لصاحبه من التحرك في تلك الجهة ، فقد تصور التمانع ، مع أنهما لا يجتمعان على فعلين مقدورين لهما في محل واحد . قلنا : لا تمانع إلا في المحل الواحد . ولذلك قال أئمتنا : لا يتصور التمانع بين المحدثين ، ولا يتصور من أحدهما منع الثاني ، فقد وضح أن الذي ادعاه السائل ممنوع عندنا . وأما الذي تمثل به من وقوف الواقف في الجهة ، ومنعه صاحبه من الحركة فيها فساقط ، فإن القدرة عندنا تقارن المقدور ، ولا قدرة للذي لا يتحرك في تلك الجهة على الحركة . ولو خلق اللّه له القدرة ، لخلق الحركة معها ، فوضح اندفاع السؤال ، واستقصاؤه بتشبث بالتولد .